الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

273

شرح ديوان ابن الفارض

والمعنى : لمّا كنت مصاحبا لوصل قربها في المدينة المنوّرة ما خطر لي حينئذ ترك صادر من بعدها ، بل كنت أظن أن القرب يدوم ، وأن أطيار البعاد على حمى القرب لا تحوم . وفي البيت الجناس التام المستوفى بين دار ودار ، ومقابلة اثنين باثنين في هجر والبعد ووصل القرب ، والجناس المحرّف بين هجر وهجرتي . ( ن ) : دار الهجرة هي مدينة الرسول صلى اللّه عليه وسلم كناية عن الحقيقة النورية الأصلية المحمدية التي خلق اللّه تعالى منها كل شيء بوجه الأمر الإلهي القائم به كل شيء . اه . وقد كان عندي وصلها دون مطلبي فعاد تمنّي الهجر في القرب قربتي [ الاعراب ] لغة البيت ظاهرة غير أن المراد من القربة الواقعة في آخر البيت الوصلة والنسبة وهي بضم القاف . ووصلها : اسم كان . ودون مطلبي : خبرها . وعندي : متعلق بكان . وتمنّي الهجر : اسم عاد . وفي القرب : متعلق بالهجر . وقربتي : خبرها . والمعنى : كان وصل الحبيبة عندي دون مطلبي فلما تمادت أيام البعاد وزالت من اسم القرب والوداد صار تمنّي الهجران قربة في الاقتراب ووصلة معدودة من أوثق الأسباب . وفي البيت المقابلة بين الوصل والهجر ، وجناس الاشتقاق بين القرب وقربتي . ( ن ) : عندي أي بالنسبة إلى ما أجد أنا في نفسي . وضمير « وصلها » راجع إلى المحبوبة . وقوله دون مطلبي : أي أدنى ما أطلب وأتمنى لالتحاقه بالحقيقة المحمدية التي مطلبها أعلى المطالب كلها والالتحاق المذكور أعلى من الوصل لذهاب الاثنينية فيه بدخول الفرع في أصله . وقوله « فصار تمني الهجر » يعني اختلف عليه الحال بانفصاله عن حاله الأول فرجع إلى اثنينيته . وقوله « في القرب » أي في مقام القرب ، وهو التمكّن في العرفان بالتحقّق بحقائق العيان . وقوله « قربتي » أي وصلتي بالمحبوبة لتفصيل حضراتها وتبيين مراتب ذاتها . اه . وكم راحة لي أقبلت حين أقبلت ومن راحتي لمّا تولّت تولّت « كم » : تكثيرية . والراحة : خلاف التعب . والراحة الثانية : بطن الكفّ . الإعراب : كم : خبرية تكثيرية وهي مبتدأ . وراحة : بالجر تمييزها مجرور بالإضافة أو بمن مقدّرة . ولي : صفة راحة . وجملة أقبلت حين أقبلت : خبر المبتدأ . ومن راحتي : متعلق بتولّت الثانية ، والجملة عطف على الخبر ، والتقدير كثير من